وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّـهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ -- \\ الدعوة الى الله واجبنا \\ الدعوة الى الإسلام مسؤوليتنا \\ الدعوة الى الحق والعدل طريقنا \\ الدعوة الى وحدة الأمة منهجنا موقع مكتب المعقل - من تاريخ البصرة
       

-
الأحد, 2021-05-09, 6:54 AM
حزب الدعوة الإسلامية \ مكتب المعقل
الرئيسية | التسجيل | دخول
 تابع واستمع خطب الجمعة بيانات حزب الدعوة الإسلامية مدونة نور الحقيقة بين الماضي والحاضر

-->
المتواجدون الآن: 1
زوار: 1
مستخدمين: 0


من تاريخ البصرة

حامد هادي صالح ـ البصرة

h. salih@totalise. co. uk

 

 

 موقع البصرة القديمة كان في المنطقة التي بنيت فيها مدينة الزبير الحالية، وتتسع إلى الشمال منها حيث تم العثور على بقايا لقصور قديمة من قصور البصرة تقع إلى الشمال من مدينة الزبير. وكان هنالك نهر يمتد من شط العرب إليها، وقد درس ذلك النهر، كما حفر العرب عدة انهر يتصل بعضها ببعض لتروي المدينة وبساتينها من جميع جهاتها حتى أصبحت تلك الأنهار وما يحيط بها من قصور وبساتين تعتبر جنة الله على الأرض وكما سنرى.

كيف بُنيَت البصرة

 حينما اتخذ عتبة بن غزوان منطقة الخريبة معسكراً اخذ الخليفة يرسل العرب إلى البصر تباعاً لتسكنها، فلما كثروا هناك بنى فيها عتبة سبعة دساكر (مفردها دسكرة) وتعني القرية الكبيرة من اللبن (الطابوق أو الطوب غير المحروق)،ويبدو إن اكثر البيوت جرى بناؤها بالقصب أول الأمر ثم تحولوا إلى اللبن وذلك لسرعة احتراق القصب. وكان ذلك سنة أربع عشرة للهجرة وذلك قبل بناء الكوفة بستة اشهر. وقد تم بناء المسجد ودار الإمارة ثم بعد ذلك بناء السجن وحمام الأمراء ، وكان البناء بالقصب أول الأمر، وكان أول بيت بني فيها هو دار نافع بن الحارث ثم دار الصحابي معقل بن يسار المزني والذي أطلق اسمه على أحد أهم انهار البصرة فيما بعد وهو نهر معقل أو نهر المعقل كما يدعى اليوم وكما سنرى فيما بعد (راجع انهار البصرة)،وقد أدرك العرب إن ارض البصرة تصلح لزراعة النخيل فاكثروا من زراعة النخيل فيها حتى اشتهرت فيما بعد بأنها ارض النخيل.

ومن طريف ما يروى إن زياد ابن أبيه عندما ولي على البصرة قام ببناء دار الإمارة باللبن بعدما كان بالقصب، فلما تولى الحجاج بن يوسف الثقفي إمارة البصرة فضلاً عن  الكوفة، أمر بهدم دار الإمارة فيها وقال أريد أن ابنيه بالآجر وذلك لأنه أراد أن يزيل ذكر زياد حسداً منه، فقال له أحدهم بعد أن تم الهدم : انك ستنفق كثيراً من المال على بنائه ويبقى اسم زياد عليه، فأحس بخطأه وترك القصر بلا بناء حتى زمان الخليفة سليمان بن عبد الملك الذي أمر بإعادة بنائه بالآجر والجص، ولكن دار الإمارة هُدِمَت من جديد لتضاف إلى بناء المسجد وذلك زمن الخليفة العباسي هارون الرشيد وبقيت البصرة من دون دار إمارة.

 توسع المدينة

 لقد أخذت البصرة بالتوسع السريع حتى بلغت مساحتها أيام خالد بن عبد الله القسري نحو فرسخين طولاً إلى فرسخين عرضاً (الفرسخ قياس عربي يعادل اليوم سبعة كيلومترات ونصف تقريباً)، أي خمسة عشر كيلومتر طولاً وخمسة عشر كيلومتر عرضاً، وقد كانت ولاية خالد بن عبد الله القسري للبصرة عام واحد وستين للهجرة، أي إن ذلك التوسع حصل خلال اقل من خمسين عاماً. لقد استمرت المدينة بالتوسع في جميع الاتجاهات، وكانت تحفر الأنهار التي توصل الماء إليها وتروي البساتين وتستخدم في النقل ايضاً حتى بلغ عدد الانهار فيها كما تبينه إحدى الإحصائيات إلى عشرين ألف نهر، وما هذا إلا دليل على سعة المدينة ومجدها.

الموقع السياسي للبصرة بين المدن : بالرغم من التاريخ السياسي الحافل للمدينة وموقعها الجغرافي المميز إلا إنها لم تستطع أن تنافس الكوفة والمنطقة المحيطة بها (بابل فيما مضى وبغداد فيما بعد) في انتزاع مركز السيادة لتصبح عاصمة لأي دولة، بل إن تاريخ البصرة والمنطقة المحيطة بها لم يشهد لها أن تكون عاصمة لأي دولة ذات أهمية في التاريخ، ولكنها أصبحت عاصمة لولاية امتدت إلى كل سواحل الخليج العربي ومناطق عربستان فضلاً عن الجزء الجنوبي من العراق، ولكن تلك الولاية كانت تابعة إلى دولة أخرى، وفي معظم الأوقات تكون تابعة إلى بغداد أو الكوفة العاصمة أو إلى ولاية بغداد التي تضم إليها ولاية الموصل ايضاً وذلك بعد سقوط الدولة العباسية، ويبدو إن موقعها يؤهلها أن تكون ولاية أو المدينة الثانية بعد العاصمة بدلاً من أن تكون هي العاصمة نفسها، وذلك عكس المنطقة الوسطى من العراق التي نشأت فيها أهم العواصم في التاريخ البشري والتي حكمت معظم أرجاء العالم لمدة تزيد كثيراً عن نصف التاريخ الحضاري للإنسان كمدينة أكد ، قرب بغداد ،عاصمة الاكديين والتي كانت أول عاصمة لأول إمبراطورية في التاريخ، وبابل عاصمة إمبراطوريتين مهمتين في التاريخ القديم ثم اتخذها الاسكندر الأكبر عاصمة له، والمدائن التي كانت عاصمة لثلاث إمبراطوريات عظيمة ، والكوفة تلك العاصمة الإسلامية المميزة فضلاً عن  بغداد عاصمة الدنيا لقرون عديدة. ومع هذا فإنّ البصرة ومنذ نشأتها كانت العاصمة الإقليمية لأهم ولايات الدولة ولمعظم الوقت.

 الوضع العمراني

إن لوضع البصرة العمراني خصوصية لا تشاركها فيه أي مدينة في العالم في ذلك الوقت، ومن المؤكد إن مهندسي البندقية في إيطاليا وامستردام في هولندا قد استفادوا كثيراً من تصميم البصرة القديمة، وبالرغم ما لهاتين المدينتين من شهرة عالمية في الماضي والحاضر إلا انهما لم تبلغا العظمة التي وصلتها البصرة في ماضيها العريق.

لقد جرى بناء المدينة بطريقة فريدة، فجزءٌ منها كان مكتظاً بالبيوت والأسواق والمساجد وغير ذلك من المرافق الأخرى ويتخلله عدد من الأنهار المستخدمة لأغراض الشرب والنقل أو المواصلات، وقسم منه ميناء بحري يعج بالسفن القادمة أو الذاهبة إلى معظم انحاء العالم، وقسم تجاري ثقافي يتوافد إليه الأعراب من أنحاء جزيرة العرب لغرض الاتجار وشراء ما يحتاجونه من مواد غذائية وصناعية وبيع ما عندهم من إنتاج حيواناتهم، ويختلط الشعر والأدب والفقه مع التجارة في هذا الجزء ، والمعروف بالمربد ، حيث يستفيد أولئك الشعراء واللغويون من فصاحة الأعراب في لسانهم .. والقسم الأكبر الذي كان يحوي البساتين والأنهار وما يتخلله من قصور عامرة وبيوت منتشرة. كما كان لها ميناء نهري كبير يبعد عنها بضعة أميال هو ميناء الابلة على الضفة الغربية من شط العرب، (والذي يمثل جزأءًا من البصرة الحديثة في الوقت الحاضر).

مدينة الأنهار والنخيل

تقول بعض المصادر الموثقة انّ عدد الأنهار قد بلغ في مدينة البصرة نحو عشرين ألف نهر، وهذه المصادر تعتمد على ديوان الخراج، حيث كان يجبى خراج كل نهر بما فيه من بساتين ونخيل، وقد يتصور البعض إن هذا أمر مستحيل، فكيف تم حفر هذا العدد الهائل من الأنهار، وقد شكك بن حوقل بهذا الرقم كثيراً وهو من جغرافي العصر العباسي المعروفين، ولكنه عندما زار المنطقة أيقن صحة تلك الأرقام.

لقد كان الكثير من البيوت والقصور تبنى على حافات الأنهار في بعض المناطق، كما بنيت البنايات في مدينة البندقية على حواف القنوات البحرية فيما بعد، بينما كانت تترك طرق للمارة والعربات والحيوانات (شوارع) بين الأنهار والبيوت في مناطق أخرى، كما بنيت امستردام فيما بعد، علماً إن قنوات البندقية أو انهار امستردام هي شيء صغير قياساً إلى انهار البصرة وتعدادها، كما إن تلك الأنهار كانت مزينة بأشجار النخيل والبساتين التي كانت تتخللها، عكس قنوات البندقية الخالية من كل زرع وانهار امستردام القليلة الأشجار.

إن افضل صورة لمدينة البصرة القديمة هي بعض البيوت في البصرة الحديثة والتي شيدت في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين على غرار ما كان موجوداً في البصرة القديمة لبعض الموسرين من الناس، وما زال بعض بقاياها قائم حتى الآن، وهي في غاية الجمال والذوق الفني الرفيع، ولقد اطلع الكاتب على بعض الكتب الإنكليزية التي تصور بعض مناطق البصرة الحديثة والتي بنيت على غرار المدينة القديمة وذلك في بدايات القرن التاسع عشر بحيث تتضاءل أمام تلك الصور وجمالها مدينتا البندقية وامستردام.

بعض التصاميم الهندسية في بناء البيوت البصرية

اطلع الكاتب على بعض القصور المكتشفة في بعض المناطق الأثرية التي جرى التنقيب عنها في نهاية السبعينيات من القرن الماضي.  

لقد كان المهندسين والمعماريين في ذلك العصر يأخذون حالة الجو والحياة الاجتماعية والمواد الأولية المتوفرة مع الوضعية الجمالية بنظر الاعتبار في تصميمهم اكثر من مهندسي الوقت الحاضر. فبدراسة تلك البقايا نلاحظ ما يأتي: إن الجدران الخارجية لتلك القصور كانت بسمك 120 سم بنيت باللبن (الآجر غير المحروق) والمتكون من الطين المخلوط مع الرمل، وهو التربة السائدة هناك، ومن ميزات مثل هذه الخلطة إنها متينة بما فيه الكفاية كما إنها لا تتشقق كما يحصل للطين الاعتيادي وحتى بعد خلطه بالتبن، والمونة المستعملة هي من ذلك الطين نفسه لرخصها وسهولة الحصول عليها كما إنها سهلة الاستعمال في البناء، ويبنى (الساف) الخارجي من الآجر المفخور وبسمك 18 سم تقريباً وذلك حتى يتحمل الرطوبة والأمطار ولا يتآكل بسرعة، ويعطي منظراً جميلاً للبناء ويوحي انه مبني جميعه بالآجر. أما المونة المستعملة مع ذلك الآجر فهي الجير المطفأ (النورة) لتقاوم العوامل الطبيعية، والتي تخلط بعض الأحيان بالرماد لتتكون من تفاعلهما مادة أسمنتية تعمر طويلاً. أما في الداخل فان الجدران الداخلية والتي هي أصلاً من (اللبن)،فإنها تطلى بطبقة (من البياض) سميكة نسبياً تزيد عن 30 ملم، يستخدم فيها الجير المطفأ (النورة) وتظهر عليها الكثير من النقوش والزخارف وصور الحيوانات والنباتات والكتابة، ويبدو أن هنالك قوالب خاصة لهذه النقوش والزخرفة، كما تطلى بطبقات من الأصباغ والدهان تجعل منها لوحات فنية رائعة الجمال.

ان سمك جدران الحيطان الداخلية والقواطع بين الغرف هو اقل قليلاً من الجدران الخارجية، إذ يكون بحدود المتر، وسبب ذلك السمك حتى يتحمل الأثقال التي تشكلها الأقواس والسقوف الثقيلة التي يحملها والتي تغطى بطبقة من الطين المخلوط بالرمل (التربة الطبيعية) وبمعدل سمك يزيد على 30 سم كي يعطي الانحدار الكافي لجريان مياه الأمطار التي تتساقط وقت الشتاء،وفي بعض الأحيان تكون أرضية تلك السطوح مكسوة بالآجر المربع الكبير الحجم نسبياً.

أما السقوف فكان يستخدم فيها الأقواس الأنيقة والتي تتحمل الأوزان الثقيلة وتعيش سنين طويلة إذا أحسنت صيانتها، كما وإن الأروقة كانت تتكون من ممرات تسقفها الأقواس وتوجد في أعلاها فتحات صغيرة للإنارة في بعض الأحيان. وكانت باحة البيت (الحوش) تقع في منتصف البيت، وتكون بعض الغرف المطلة على تلك الباحة مرتفعة عنها بنحو متر أو اكثر وواجهتها المطلة على الباحة تتكون من شبابيك خشبية ذات نقوش جميلة وزجاج ملون بنقوش هندسية رائعة.

 

ام قصر

 تتوسط الحوش بركة ماء كانت تستخدم لخزن الماء الذي يجلب من النهر حيث تضيف منظراً جميلاً إلى تلك الباحة، وعادة ما تكون هنالك حديقة صغيرة فيها بعض أشجار النخيل والأشجار الأخرى التي يسهل نموها هناك. كما تحيط بالحوش منطقة مسقوفة ترتكز من ناحية على الجدران الداخلية للغرف ومن الناحية الثانية على أعمدة من الخشب يتكون أعلاها من تاج مزخرف بزخرفة جميلة. ان فائدة هذه السقوف حماية جدران الغرف من أشعة الشمس المباشرة فتكون كالمظلات، كما إنها مكان مناسب للجلوس تحتها في ساحة الحوش لما تكونه من ظل وعلى الأخص أوقات العصر حينما يعتدل الجو.

توجد هنالك أقبية تحت الأرض (سراديب) في بعض أجزاء البيت وعلى الأخص تحت الغرف التي تعلو عن سطح الحوش  ،وإنّ ذلك الارتفاع يعطي ارتفاعاً إضافياً لتلك الأقبية، وتكون سقوف تلك الأقبية مبنية على شكل أقواس تعطيها القوة والمتانة لتتحمل ما فوقها، كما إنها تكون عازلاً حرارياً لسماكتها. ان تلك الأقبية ملاذات جيدة لسكان البيت في أثناء وسط النهار للوقاية من حرارة الجو، كما يمكن ان تستخدم في أثناء الشتاء لأنها تكون دافئة ، ذلك لأنها تحت مستوى سطح الأرض ولا تتعرض إلى أشعة الشمس المباشرة الحارقة، ونظراً لعدم شدة البرودة وقصر الشتاء فإنّ الاستعمال الشتوي يكون نادراً.

أما نظام التهوية في هذه البيوت فهو نظام هندسي رائع مستمد من نظام التهوية في المدن العراقية القديمة والذي تم تطويره خلال آلاف السنين، حيث توجد مجارٍ هوائية مبنية تشبه المداخن في المدن الغربية، وتمتد من الأقبية إلى الغرف حيث توجد فتحات في الأقبية والغرف تسمح بدخول أو خروج الهواء منها، وتمتد تلك المجاري إلى أعلى البيت حيث تسمح بمرور تيار هوائي بارد نسبياً يأتي من الأقبية ليخرج في النهاية من أعلى البيت. ان مثل هذا التيار يمنع الهواء من التعفن ويقلل من الرطوبة داخل البيت ويسهل عملية تبديل الهواء بسرعة معقولة لا تؤثر كثيراً على تسخين الجو الداخلي في أثناء الصيف أو جلب البرودة في أثناء الشتاء.

 

تأثير الشعر واللغة والأدب على الوضع العمراني

لقد اثر الشعر والأدب واللغة على تصميم البصرة العمراني لمدينة البصرة، فقد خصصت مساحة كبيرة من المدينة دعيت بالمربد لخدمة هذا الغرض فكانت هنالك ساحات تنصب فيها المخيمات الكبيرة (السرادقات )  يتبارى فيها رجال الشعر، كما كان رجال اللغة يجلسون هناك بانتظار الأعراب ليأخذوا عنهم فصيح اللغة (راجع المربد)،ولهذا الغرض ايضاً بنى بعض الموسرين قصوراً لهم في المربد لتكون مجمع الشعراء والأدباء واللغويين والأعراب، ان هذا قد اثرّ على هندسة بناء المدينة كثيراً لتستوعب كل تلك المتناقضات في مكان واحد، تستوعب الأعراب وجمالهم وأحمالهم والأدباء ومجالسهم والسرادقات التي كانوا يقيمونها والأثرياء المحبون للشعر والأدب وقصورهم.

كانت المربد قد جمعت كل تلك المتناقضات، وهي منطقة رئيسية من مناطق البصرة، لذا فإنّ النظام العمراني لهذه المنطقة كان مختلفاً عن باقي مناطق البصرة الأخرى.

 

تأثير الوضع التجاري على النظام العمراني

ذكرنا ان البصرة كانت المدينة التجارية الأولى في العالم الإسلامي، لذا كان لهذا الوضع التجاري تأثيرات بالغة على الوضع العمراني للمدينة، فمن تلك التأثيرات إنها جعلت بعض مناطق البصرة موانئ تجارية كجنوب البصرة التي كانت تطل على تفرع يأتي من الخليج العربي يعرف اليوم بخور الزبير، حيث كان ذلك الجزء عبارة عن ميناء مزدحم بآلاف السفن المختلفة، لذا فإنّ من المنطقي ان تكون تلك المنطقة عبارة عن مخازن للبضاعة ومحال تجارية وفنادق (خانات) ومطاعم للتجار والبحارة، ومن المؤكد ان تلك المنطقة كانت بعيدة عن الترف والقصور التي ذكرت في كتاب الأغاني وبقية كتب الأدب والتاريخ، وقطعاً لم تكن من المناطق التي يلتقي فيها العشاق والمغنون الذين أسهب كتاب ألف ليلة وليلة وروايات الأصمعي في ذكر أخبارهم. كما كان هنالك ميناء تجاري آخر للمدينة يبعد عنها اكثر قليلاً من عشرة أميال هو ميناء الابلة الذي يقع على الجهة الغربية من شط العرب وهو اليوم جزء من مدينة البصرة الحديثة، حيث كان الكثير من السفن القادمة إلى البصرة عن طريق البحر يذهب إليه لأنها ستنقل بضاعتها من وإلى سفن اصغر حجماً تذهب إلى بغداد وباقي مدن ومناطق العراق عبر نهري الفرات ودجلة.

أما التأثير الثاني للحركة التجارية على عمران المدينة فهو نمو طبقة ثرية من التجار انعكس ثراؤها على البذخ في بناء بيوتها وقصورها مما جعل المدينة ترتدي ثياب البذخ والغنى كثاني مدينة في العالم الإسلامي بعد بغداد، ومن المؤكد ان قسماً من أولئك التجار الأثرياء بنوا قصورهم على شواطئ الأنهار التي تربط بين المدينة وشط العرب ليكونوا على اتصال بين تجارتهم والمدينة ويعيشوا في مكان يتمتع بالسحر الطبيعي بين النخيل والأشجار.

أما التأثير الثالث فان المدينة كانت تصل إليها بعض المواد الأولية اللازمة للبناء والتي تعتبر بذخا زائداً عن الحد في مناطق أخرى من العالم الإسلامي، كأنواع الخشب الثمين من الساج والأبنوس والمصنوعات الخشبية كالأبواب ذات الزخارف الجميلة والشبابيك ذات الزجاج الملون والمصنوعات المعدنية النحاسية والحديدية المستخدمة في البناء مما جعل بيوت المدينة وعلى الأخص بيوت الأغنياء تبنى بناءً مميزاً فيه كثير من الأبهة والبذخ، وبقايا البيوت المكتشفة في المدينة خير شاهد على ذلك، كذلك البيوت التي بنيت في البصرة الحديثة خلال القرنين الأخيرين والتي كان من المؤكد إنها مستوحاة من تصاميم البصرة القديمة لهي دليل مادي مؤكد.

الوضع الفكري

كان للبصرة وضع فكري مميز بها فقد شكلت بالاشتراك مع الكوفة عواصم اللغة الوحيدة في العالم الإسلامية فلم يكن في العالم الإسلامي غير مدرستين للغة لا ثالث لهما هما البصرة والكوفة، وكانت البصرة هي المتفوقة والمتصدرة في هذا المضمار، أما الفقه فكانت هنالك ثلاث مدارس لا رابع لها، هما الكوفة والبصرة والمدينة (وذلك قبل بناء بغداد)،أما في الشعر فكان الشعراء الكوفيون والبصريون وما زالوا يشكلون دعامة الشعر العربي ونقطة ارتكازه، وكذا الحال في الأدب، أما الفلسفة فقد كان للفلاسفة البصريين باعٌ كبيرٌ مميز.

لم يقتصر النشاط الفكري في البصرة على النشاط الأدبي والفلسفي بل كان لها نصيب لا يستهان به في العلوم، وبالرغم من إنها لم تكن تحتل مركز الصدارة كما هي الحال في اللغة والشعر والفقه إلا ان نصيبها كان لا يستهان به والسبب في ذلك لأن العلوم بدأت بعد فترة زمنية من ظهور الحركات الأدبية والشعرية، أي بعد عصر الترجمة، حيث كانت بغداد هي الحاضرة الإسلامية الرئيسية التي استقطبت معظم العلماء في ذلك الوقت.

 الشعر

كانت البصرة أحد المراكز المهمة في الشعر وبقيت تتنافس على مركز السيادة في العالم العربي مع الكوفة وليومنا هذا، البصرة التي سكنها فحول الشعر في العصر الأموي، الفرزدق وجرير، ولم يقتصر الأمر على هذين الشاعرين، فقد ظهر منها خيرة الشعراء في معظم العصور كبشار وأبي نؤاس، كما متازالشعر البصري دائماً بالرقة والعذوبة والتجديد عكس شعر الكوفة الذي امتاز بالمتانة والمحافظة، وبقيت هذه الخاصية متأصلة عند الاثنين إلى يومنا هذا، فالكوفة أنجبت المتنبي اعظم الشعراء العرب، إلا انه كان محافظاً في شعره بينما أنجبت البصرة أبا نؤاس وبشار بن برد المجددين ذوي الأشعار السلسة وأمير الشعر الحر بدر شاكر السياب.

بالرغم من ان الشعر البصري امتاز بالسلاسة إلا انه لم يغفل فصاحة اللغة وإحكام مفرداتها، فهذا الفرزدق الشاعر الذي أنجبه المربد يقال عنه : لولا الفرزدق لضاعت ثلث اللغة العربية، وهذا بشار الذي قال له بعض النقاد : ما من شاعر إلا وقال بعض الأبيات التي أنكرها بعض العرب لوجود خطأ لغوي فيها، وأنت الوحيد الذي لم ينكر عليك أحد مع كثرة شعرك ! فقال : ومن أين يأتي الخطأ في كلامي ؟ لقد عشت بين ثمانين شيخاً من فصحاء بني عقيل، ما فيهم أحد يعرف الخطأ في كلامه ! وكنت عندما ادخل على نسائهم أجدهن افصح من الرجال. وهذا يبين مكانة ومتانة اللغة العربية في البصرة.

قد نكون غير مغالين إذا قلنا ان نصف الشعراء كانوا من الكوفة والبصرة والنصف الآخر كان من سائر أنحاء الوطن العربي بما في ذلك أجزاء العراق الأخرى، ولا ينطبق هذا على العصور الإسلامية فقط وانما على العصر الحاضر ايضاً، ويبدو ان هنالك خصوصية في مناخ وتربة هاتين البقعتين فأنها تنبت الشعر وتثمر العباقرة منهم.

الأدب

يبدو ان منافسة الكوفة للبصرة في الأدب لم تكن من الشدة كما كانت في الشعر، حتى أننا نستطيع ان نقول ان البصرة تربعت على كرسي الزعامة في الأدب تقريباً، فمنها تخرج اعظم أدباء العرب إطلاقاً، فهي بلد الجاحظ والأصمعي وابن المقفع، هؤلاء الذين يعتبرون أعلام الأدب العربي على مر العصور بلا منازع، وغيرهم كثير من الذين يأتون بالدرجة الثانية، وبالرغم من ان الكوفة هي ايضاً قد أنجبت العديد، إلا انهم اقل شهرةً، وما أنجبته بغداد فيما بعد يعتبرون تلامذة لهؤلاء العمالقة.

بدراسة متفحصة لكتاب ألف ليلة وليلة، تكتشف ان بعض أجزاء ذلك الكتاب تمت كتابته بوساطة الكتاب البصريين، فمن يكتب قصصاً عن البحر ومغامراته لابد وانه كان يجلس مع البحارة في مجالس سمرهم ويسمع مغامراتهم وما تصادفهم من غرائب الأمور، كالتي وردت في قصة السندباد البحري المستوحاة من مغامرات البحارة الحقيقيين في رحلاتهم، وما فيها من مبالغات وخيال في بعض الأحيان، أو قصة الجبل المغناطيسي الذي يسحب السفن بفعل ما فيها من مسامير وقطع حديدية والى غير ذلك. وكتاب الحيوان للجاحظ هو مثال آخر على تلك المجالس وسماع الأخبار من بدو البادية أو بحارة السفن.

الفلسفة

نشأت علوم الفلسفة في العالم الإسلامي بعدما جرت ترجمة الكتب اليونانية إلى العربية واطلع العرب عليها، وقد اسهم العرب إسهامات كبيرة في علم الفلسفة، ونظراً لأن هناك بعض التعارض بين الأفكار الفلسفية العقلية والأفكار الدينية النقلية فقد حارب الكثير من رجال الدين هذا العلم وأهله، حتى كانت الفلسفة علماً يحضر دراسته في معظم أنحاء العالم الإسلامي وعلى الأخص في المغرب العربي وبلاد الأندلس وبلاد الشام ومصر...

 

 البصرة في الشعر والنثر

قال بن أبي عينة المهلبي يمدح البصرة :

يا جنّة فاقت الجنانَ، فما        يعدلهـا قيـمةٌ ولا ثمنُ

ألفيتها فـاتخذتها وطناً،         إن فؤادي لمثلهـا وطنُ

زُوّجَ حيتانها الضَبابَ بها     فهـذهِ كنّـةُ وذا ختنُ

فانظر وفكّر لما نطقتُ بهِ      ان الأديب المفكر الفطنُ

من سُفُنٍ كالأنعام مقبلة ٍ        ومـن نعامٍ كأنها سفنُ

وقال أيضاً يتشوق إليها عندما فارقها إلى جرجان :

فإن أشكُ من ليلي بجرجان طوله         فقد كنت أشكو منه بالبصرة القصر

فيا نفسيُ قـد بدّلتِ بؤساً بنعمةٍ            ويا عين قـد بدلت مـن قرّة عِبَر

ويا حبـذاك السائلي فيـم فكرتي            وهمّي، ألا في البصرة الهمُّ والفكر

فيا حبذا ظهـرُ الحـزيز وبطنه،            ويـا حسن واديه، إذا ماؤه زَخر

ويا حـبذا نـهر الأبـلة منظراً، إذا مـدّ فـي إبّانه الماءُ أو جزر

ويا حسن تلك الجاريات إذا غدت         مـع الماء تجري مصعدات وتنحدر

فيا نـدمي إذ ليس تغني ندامتي  !ويا حذري إذ ليس ينـفع الحذر

وقائـلة : مـاذا نبا بك عنهمُ ؟   فقلت : لا علم لي، فاسألي القدر

خالد بن صفوان يصف البصرة ويمدحها

وفد خالد بن صفوان على الخليفة عبد الملك بن مروان، فوافق عنده وفود جميع الأمصار، فطلب من ابنه مسلمة بن عبد الملك ان يريهم بعض عجائب الشام وجناتها وقصورها، فقال لهم مسلمة وهو معجب بها فاقبل على وفد مكة وقال لهم : يا أهل مكة هل عندكم مثل هذا ؟ فقالوا : لا ولكن عندنا بيت الله المستقبل ! ثم التفت إلى أهل المدينة وسألهم السؤال نفسه ، فقالوا : لا إلاّ ان فينا قبر نبي الله المرسل ! ثم سأل أهل الكوفة فقالوا : لا إلاّ ان فينا تلاوة كتاب الله المرسل ! ثم التفت إلى وفد البصرة فقال له خالد بن صفوان : نعم أيها الأمير ! صف لك بلادنا ! يغدو قانصنا فيجيء هذا بالشبّوط والشيّم (أنواع من السمك الجيد)،ويجيء هذا بالظبي والظليّم، ونحن اكثر الناس عاجاً وساجاً وخزاً (حرير) وديباجاً وبرذوناً (نوع من أنواع الخيول) هملاجاً وخريدة مغناجاً، بيوتنا الذهب ونهرنا العجب، أوله الرطب وأوسطه العنب وآخره القصب، فأما الرطب عندنا فمن النخل في مباركه كالزيتون عندكم في منابته، هذا على أفنانه كذلك على اغصانه .

( جزء من موضوع ـ عن مجلة ميزوبوتاميا )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


المصدر   : مجلة الموروث




Copyright MyCorp © 2021